الآلوسي
4
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
على نفسه فليبك من ضاع عمره * وليس له منها نصيب ولا سهم فلا ينبغي لعاقل أن يستغرق النهار والليل إلا في غوص بحارها ، أو يستنهض الرجل والخيل ، إلا في سبر أغوارها . أو يصرف نفائس الأنفاس إلا في مهور أبكارها ، أو ينفق بدر الأعمار إلا لتشوف بدر أسرارها . إذا كان هذا الدمع يجري صبابة * على غير سلمى فهو دمع مضيع وإن من ذلك علم التفسير الباحث عما أراده اللّه سبحانه بكلامه المجيد ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . فهو الحبل المتين والعروة الوثقى . والصراط المبين ، والوزر الأقوى والأوقى ، وإني وللّه تعالى المنة مذ ميطت عني التمائم ، ونيطت على رأسي العمائم لم أزل متطلبا لاستكشاف سره المكتوم ، مترقبا لارتشاف رحيقه المختوم طالما فرقت نومي لجمع شوارده وفارقت قومي لوصال خرائده . فلو رأيتني وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب من السهر ، وأطالع - إن أعوز الشمع يوما - على نور القمر ، في كثير من ليالي الشهر وأمثالي إذ ذاك يرفلون في مطارف اللهو . ويرقلون في ميادين الزهو . ويؤثرون مسرات الأشباح على لذات الأرواح . ويهبون نفائس الأوقات ، لنهب خسائس الشهوات . وأنا مع حداثة سني وضيق عطني لا تغرني حالهم ولا تغيرني أفعالهم . كأن لبني لبانتي ، ووصال سعدي سعادتي . حتى وقفت على كثير من حقائقه ، ووفقت لحل وفير من دقائقه . وثقبت - والثناء للّه تعالى - من دره بقلم فكري درا مثمنا ولا بدع فأنا من فضل اللّه الشهاب وأبو الثناء . وقبل أن يكمل سني عشرين جعلت أصدح به وأصدع . وشرعت أدفع كثيرا من إشكالات الأشكال وأدفع وأتجاهر بما ألهمنيه ربي مما لم أظفر به في كتاب من دقائق التفسير . وأعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذي ذهن خطير . ولست أنا أول من منّ اللّه تعالى عليه بذلك ، ولا آخر من سلك في هاتيك المسالك . فكم وكم للزمان ولد مثلي ، وكم تفضل الفرد عز شأنه على كثير بأضعاف فضلي . ألا إنما الأيام أبناء واحد * وهذي الليالي كلها أخوات إلا أن رياض هذه الأعصار عراها إعصار ، وحياض تيك الأمصار اعتراها اعتصار . فصار العلم بالعيوق والعلماء أعز من بيض الأنوق ، والفضل معلق بأجنحة النسور وميت حي الأدب لا يرجى له نشور . كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولكن الملك المنان أبقى من فضله الكثير قليلا من ذوي العرفان في هذه الأزمان ، دينهم اقتناص الشوارد وديدنهم افتضاض أبكار الفوائد . يروون فيروون ويقدحون فيورون . لكل منهم مزية لا يستتر نورها ومرتبة لا ينتثر نورها . طالما اقتطفت من أزهارهم واقتبست من أنوارهم . وكم صدر منهم أودعت علمه صدري . وحبر فيهم أفنيت في فوائده حبري . ولم أزل مدة على هذه الحال لا أعبأ بما عبئ لي مما قيل أو يقال : كتاب اللّه لي أفضل مؤانس وسميري إذا احلولكت ظلمة الحنادس . نعم السمير كتاب اللّه إن له * حلاوة هي أحلى من جنى الضرب به فنون المعاني قد جمعن فما * تفترّ من عجب إلا إلى عجب أمر ونهي وأمثال وموعظة * وحكمة أودعت في أفصح الكتب لطائف يجتليها كل ذي بصر * وروضة يجتنيها كل ذي أدب وكانت كثيرا ما تحدثني في القديم نفسي أن أحبس في قفص التحرير ما اصطاده الذهن بشبكة الفكر أو